مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
103
موسوعه أصول الفقه المقارن
أمرين : فإمّا أن يرخصه في ارتكاب ما يحتمل إباحته ، وإمّا أن يمنعه عن ارتكاب ما يحتمل إباحته ، وواضح أنّ اهتمامه بالاجتناب عن المحرّمات الواقعية يدعوه إلى المنع عن ارتكاب كلّ ما يحتمل حرمته ، لا لأنّ كلّ ما يحتمل حرمته فهو مبغوض وذو مفسدة ، بل لضمان الاجتناب عن المحرّمات الواقعية الموجودة ضمنها ، فهو منع ظاهري ناشئ من مبغوضية المحرّمات الواقعية ، والحرص على ضمان اجتنابها ، فإن كانت الإباحة في المباحات الواقعية ذات ملاك لا اقتضائي ، فلن يجد المولى ما يحول دون إصدار المنع المذكور ، حتى مع مصادفته للمباح الواقعي ؛ لعدم نشوء المنع عن مبغوضية في نفس متعلقه ، بل عن مبغوضية المحرمات الواقعية ، والحرص على ضمان الاجتناب عنها . وأمّا إذا كانت الإباحة الواقعية ذات ملاك اقتضائي فهي تدعو - خلافاً للحرمة - إلى الترخيص في كلّ ما يحتمل إباحته ، لا لأنّ كلّ ما يحتمل إباحته فيه ملاك الإباحة ، بل لضمان إطلاق العنان في المباحات الواقعية الموجودة ضمن محتملات الإباحة ، فهو ترخيص ظاهري ناشئ عن الملاك الاقتضائي للمباحات الواقعية والحرص على تحقيقه ، وفي هذه الحالة يزن المولى درجة اهتمامه بمحرّماته ومباحاته ، فإن كان الملاك الاقتضائي في الإباحة أقوى وأهم رخّص في المحتملات ، وهذا الترخيص يشمل المباح والحرام الواقعيين ، وفي حالة شموله للحرام الواقعي لا يكون منافياً لحرمته ؛ لأنّ الترخيص لم ينشأ عن ملاك للإباحة في نفس متعلقه ، بل عن ملاك الإباحة في المباحات الواقعية والحرص على ضمان ذلك الملاك . وإن كان ملاك المحرّمات الواقعية أهم منع المولى من الإقدام في المحتملات حفاظاً على الأهم . وهكذا يتضح أنّ الأحكام الظاهرية خطابات تعيّن الأهم من الملاكات والمبادئ الواقعية ، عندما يتطلب كلّ نوع منها المحافظة عليه بنحو ينافي المحافظة على النوع الآخر » « 1 » . وهذا الوجه وإن كان يتفق مع الوجه السابق في عدم نشوء الحكم الظاهري من مصلحة في متعلقه لئلا يلزم التضاد بينهما ، إلّاأ نّه لا يتفق معه في اعتبار المصلحة في نفس الجعل ، لئلا يلزم تفريغ الحكم الظاهري من حقيقة الحكم . ( ب ) الجواب عن شبهة تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة وأمّا بالنسبة إلى إشكال تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة ، المعبَّر عنه بإشكال الملاك ، فقد ردّه الأعلام بردود مختلفة ، باختلاف المبنى في انسداد باب العلم أو انفتاحه : 1 - الجواب عن الشبهة بناءً على انسداد العلم أمّا بناءً على انسداد باب العلم : ففيه ثلاث صور « 2 » : الصورة الأولى : ما إذا دلّت الأمارة على وجوب ما هو مباح واقعاً أو على حرمته : ولا إشكال في إمكان الاجتماع في هذه الصورة ؛ لعدم وجود مانع عقلًا من إلزام المولى عبده بفعل ما هو مباح واقعاً ، أو تركه حفاظاً على غرضه المهم وهو المصلحة الملزمة الموجودة في بعض الأفراد ؛ لأنّ الأحكام وإن كانت تابعة للمصالح والمفاسد في
--> ( 1 ) . دروس في علم الأصول 2 : 30 - 31 بتصرّف . ( 2 ) . مصباح الأصول 2 : 92 - 94 .